الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

135

مناهل العرفان في علوم القرآن

أن تكون السنة ناسخة لبعض آخر ، فيكون الرسول مبينا لما ثبت من الأحكام ، وناسخا لما ارتفع منها . ( دليلهم الثاني ) أن القرآن نفسه هو الذي أثبت أن السنة النبوية حجة ، فلو نسخته السنة لعادت على نفسها بالإبطال ، لأن النسخ رفع ، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع . والدليل على أن القرآن هو الذي أثبت حجية السنة ما نقرؤه فيه من مثل قوله سبحانه : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . وننقض هذا الاستدلال ( أولا ) بأن كلامنا ليس في جواز نسخ السنة لنصوص القرآن الدالة على حجيتها حتى ترجع على نفسها بالإبطال ، بل هو في جواز نسخ ما عدا ذلك مما يصح أن يتعلق به النسخ . ( ثانيا ) أن ما استدلوا به حجة عليهم لأن وجوب طاعة الرسول واتباعه ، يقضى بوجوب قبول ما جاء به على أنه ناسخ . ( دليلهم الثالث ) أن قوله تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ قد جاء ردا على من أنكروا النسخ وعابوا به الإسلام ونبي الإسلام بدليل قوله سبحانه قبل هذه الآية : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . ومعلوم أن روح القدس إنما ينزل بالقرآن . وإذن فلا ينسخ القرآن إلا بقرآن . وننقض هذا الاستدلال بأن الكتاب والسنة كلاهما وحى من اللّه ، وكلاهما نزل به روح القدس ، بدليل قوله سبحانه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فالذهاب إلى أن ما ينزل به روح القدس ، هو خصوص القرآن ، باطل . ( دليلهم الرابع ) أن اللّه تعالى يقول : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ . قُلْ : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي . وهذا يفيد أن السنة لا تنسخ القرآن ، لأنها نابعة من نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم .